الجاحظ

311

الحيوان

يقوته وهو أعمى لا يبصر ، وأصمّ لا يسمع ، وبليد لا يتصرّف ، وأبله لا يعرف ! . ومع ذلك أنّه لا يجوز باب جحره ، ولا يتكلّف سوى ما يجلب إليه رازقه ورازق غيره . وأيّ شيء أعجب من طائر ليس له رزق إلّا أن يخلّل أسنان التّمساح ، ويكون ذلك له . 326 - [ الطائران العجيبان ] وأيّ شيء أعجب من طائرين ، يراهما الناس من أدنى جدود البحر « 1 » من شقّ البصرة ، إلى غاية البحر من شقّ السّند ، أحدهما كبير الجثّة يرتفع في الهواء صعدا ، والآخر صغير الجثّة يتقلّب عليه ويعبث به ، فلا يزال مرّة يرفرف حوله ويرتقي على رأسه ، ومرّة يطير عند ذناباه ، ويدخل تحت جناحه ويخرج من بين رجليه ، فلا يزال يغمّه ويكربه حتّى يتّقيه بذرقه ، فإذا ذرق شحا له فاه فلا يخطئ أقصى حلقه حتّى كأنّه دحا به في بئر ، وحتّى كأنّ ذرقه مدحاة بيد أسوار « 2 » ، فلا الطائر الصغير يخطئ في التلقّي ، وفي معرفته أنّه لا رزق له إلّا الذي في ذلك المكان ؛ ولا الكبير يخطئ التّسديد « 3 » ، ويعلم أنّه لا ينجيه منه إلا أن يتّقيه بذرقه ، فإذا أوعى ذلك الذّرق « 4 » ، واستوفى ذلك الرّزق ، رجع شبعان ريّان بقوت يومه ، ومضى الطائر الكبير لطيّته . وأمرهما مشهور وشأنهما ظاهر ، لا يمكن دفعه ولا تهمة المخبرين عنه . 327 - [ اختلاف طباع الحيوان ] فجعل تعالى وعزّ بعض الوحوش كسوبا محتالا ، وبعض الوحوش متوكّلا غير محتال ، وبعض الحشرات يدّخر لنفسه رزق سنته ؛ وبعضا يتّكل على الثّقة بأنّ له كلّ يوم قدر كفايته ، رزقا معدّا وأمرا مقطوعا . وجعل بعض الهمج يدّخر ، وبعضه يتكسّب ، وبعض الذكورة يعول ولده ، وبعض الذكورة لا يعرف ولده ، وبعض الإناث تخرّج « 5 » ولدها ، وبعض الإناث تضيّع ولدها وتكفل ولد غيرها ، وبعض الأجناس معطوفة على كل ولد من جنسها ، وبعض الإناث لا تعرف ولدها بعد استغنائه عنها ،

--> ( 1 ) الجدود : جمع جد ، وهو الشاطئ ، ومنه سميت مدينة « جدة » لوقوعها على شاطئ البحر ، والخبر في ثمار القلوب ( 817 ) ، وربيع الأبرار 5 / 456 . ( 2 ) المدحاة : آلة الرمي . والدّحو : هو رمي اللاعب بالحجر وغيره . الأسوار : الجيّد الرمي بالسهام . ( 3 ) التسديد : إصابة الهدف . ( 4 ) الذرق : نجو الطائر . أوعى : استوعب . ( 5 ) تخرج : تؤدب وتربي .